Sunday, May 18, 2008

ماسحو الأحذية

مقدمة:جميل أن تستذكر الماضي بعد أن تخلفه وراءك غير آبه بسلبياته أو إيجابيته،ببساطة لأنه أصبح ماضٍ،لكن الأجمل عندما تسقط جزءاً من الماضي على الحاضر فتجده مندمجاً معه بلا شذوذ،ملتصقاً به بلا نفور.
في ستينيات القرن الماضي،أي قبل عصر الجينز وتوابعه من الأحذية الرياضية والقبعات وقمصان التي شيرت (هو القميص الذي على شكل حرف تي،لا أدري لماذا أجد نفسي سخيفاً عندما أكتب بالعربية وأستخدم أحرفها في كتابة كلمة أجنبية)،المهم،في تلك الأيام لم نكن نذهب –نحن الشباب-إلى الجامعة أو المكتب،أو حتى إلى زيارة الأقارب،إلا ونرتدي البذلة والقميص الأبيض وربطة العنق(ونذكر جميعنا المشهد الذي ظهر فيه عبد الحليم حافظ في أحد أفلامه وهو يركب الدراجة الهوائية مرتدياً البذلة وربطة العنق)،لكن الأهم من كل هذا وذاك كان الحذاء،نعم،فقد كان من تمام الأناقة وحسن الهندام أن يلمع حذاؤنا كأنه قطعة بلور أو تحفة كريستال،لدرجة أنه افتتحت في تلك الأيام،وفي الشوارع الرئيسية في دمشق،صالونات لمسح الأحذية،مشابهة تماماً لصالونات الحلاقة،فبمجرد أن يبهت لمعان وجه الحذاء،كنا نهرع إلى صالون مسح الأحذية لتلميعه.على مدخل الصالون كنا ندفع 25 قرشاً سورياً (أي ربع ليرة سورية بينما كان الراتب اليومي خمس ليرات فقط)،ونأخذ رقم دورنا في المسح الذي ربما يتأخر كثيراً نظراً لكثرة الزبائن.جدران المحل الثلاثة-باستثناء الواجهة طبعاً-مغطاة بالمرايا الكبيرة التي تضفي على المكان رونقاً وأبهة واتساعاً،وصف من الكراسي المريحة وضع على امتداد الجدار لكي يستريح عليها الزبائن المنتظرون،وعلى الجدار المقابل يجلس صف من العمال ماسحي الأحذية،أمام كل منهم كرسي مريح مرتفع يشبه كراسي صالونات الحلاقة،وما أن يستقر الزبون على كرسيه أمام العامل،حتى يبدأ هذا بغسل الحذاء ،فردة بعد أخرى،بالصابون مستخدماً فرشاة،تماماً كتلك المستخدمة في حلاقة الذقن،ثم يطلي الحذاء بالبويا،ثم يضربه بحركات بهلوانية بالفرشاة،ثم يطليه بمادة الكيوي الملمعة،ويعود عليه ثانية بالفرشاة،ثم بقطع القماش الناعمة،فيلمع سطح الحذاء حتى لنكاد نرى أوجهنا لامعة على وجهه

صلب الموضوع:الرئيس الأمريكي بوش،المقبل على ترك البيت الأبيض-أكيد إلى غير رجعة وفي ستين داهية-وجد أن وجه حذائه قد أصبح كوجهه،ملوثاً بدماء الأبرياء في العراق وفلسطين وأفغانستان،وبما أنه قد علم بفطنته المعهودة! بوجود ماسحي أحذية مهرة في الشرق الأوسط،فقد حضرمؤخراً إلى المنطقة بغية تنظيف حذائه مما لوثه،فتسابق ماسحو الأحذية المهرة من العرب لتنظيف الحذاء المتسخ-وكان الأولى بهم تنظيف الوجه قبل الحذاء-،وقد سر الرئيس بهؤلاء الماسحين،وأثنى على مهارتهم،وتمنى عليهم أن يمارسوا نفس الأمر على حذاء خليفته(ماكين)،فوعدوه خيراً،لأنهم ببساطة لا يستطيعون كسب عيشهم إلا بمسح الأحذية.اللعنة على ماسحي الأحذية،أقصد اللعنة على الماسحين،والعذر،كل العذر،من الأحذية.

Friday, May 9, 2008

الـقــادم حتـــمــاً
(شعر)

مـن ينفضْ عـن عينـيَّ غـبـار الأحـزان البـريّـةَ

أو يسـحـبْ عـن قلـبــي

أسـتـار الخـوف المـتـوشّــح بالـشــؤمِ

مــن يفــتحْ للـفـجـرِ القـادمِ نـافـذتــي

مــن يـزرعْ فــي قلبــي عشـب الفـرح الأخضــرِ

مــن يـنـســلْ أوهــام الـيـأس الشّـائكِ

مــــن ذاكـرتي

من يكفلْ لـي آخرتـي

سيكون الفارسَ معشـوقَ الـشّمـسِ

صـديقَ الفقـراءِ

أنـيــسَ الـــغــــربــاءِ

صــــدى أغــنيــتــــــي

=====================

قــــالــوا:لــــــن يــــولــدَ

قــلـت:عــــلامـــاتُ الحـمــل تـبـدّتْ

هــذا الـيـأس الـجــاثــم فـوق الـقـلـبِ

والـذلُّ المــسـتـورد مـــن أحـذيــة القـهـرِ

هــذا الـشّبـق الفــطــري اللاهـبُ

مــابـين الخـيمــة والـثّـأرِ

هـــذا الــوَحَــمُ الـجـارف للـفــجــرِ

كـــلّ الآهـــاتِ تـبـشّـــر بـالـقـادم حــتمــاً

وســيــأتــــي ... لابـدّ سـيــأتـي

=====================

قـــالــوا: يـتــأخــرُ

قـلـت:ســأبـقــى مـنـتـظـراً

أســنــد رأسـي لـلريـحِ

أتـــوضّــأ بـالصّــــبــرِ

وأحــرق بـخـــور الهـنــدِ

أنثر مـلــحـــاً دفــعــاً للعـــين الـحــاسـدةِ

وأرتـــــــل آيــاتِ الـعــودةِ

حتّــى يــأتـي

=======================

قــالــوا: بـالـشّـكّ يجيء غــداً أو بعـد غـدٍ

أو لا يــأتــي

ســأبـشّـــرُ- قـلت- بـمـقـدمـِــهِ

و ســأكـرِزُ فــي الـبـريّــة

أتــمـنـْــطَـقُ زنّـــار الـثّــورةِ

أجــتـثُّ الـشّـــوك مــن الـدّربِ

وأكـثِّـــرُ أنـصــارَ القــادمِ

حــتّـــــى يــأتــي

========================

قـــالــوا:أَنـصِــتْ...

هــل تـسـمــع وشــوشــةً...همـســاً

أو شــيـئـاً مــن هـــذا؟

حــضــنتنــي رعـشــة حُــلُمٍ ورديٍّ

و شــعــاعٌ يتـسـلـل للقـلب المـظلمِ

قــلـت:زئــيراً أسـمع.. رعـداً .. زمجرةً

قـــد جــاء عشـيــقُ الـشّمـسِ

تتـلاشــى كــلُّ الأشيــاءِ بمـقـدمــه

إلاّ صــوتــاً يـعــلو كـالـمــوج الـهــادرِ

صـرخ الـقـادم والـكـلّ جـثـا تحـت الـكلمات الوعـدِ:

"ثــورتــي مــن ذلّ منفــي

عــن الـوطـن المضمــخ بالشــقـاءْ

جــذوتــي مــن عيــن طفــلٍ

عـشّـش اليُتْـمُ علــى أهـدابهــا

غضبـتــي مــن بـؤس أرمـلة تغضّـن وجهـهـا

و انـهـدّ مــن جــور الـزّمــان إهــابُهــا

ومضتــي مــن صــرخـة المـقـهـور مكتـوم النّـداءْ

فــأنـا دعـاءْ ، وأنــا رجــــاءْ

فــامـشـــي ورائـي يا براكيناً تلاشـى صـبـرهـا

و ابشــري بالـفـارس المـوعـود

لا تحنــي الجـبــــاهْ

و لئــن تأخّـر مولـدي

فـغـداً سـأولـد عــاصـفــةْ

فــي وجــه أعـداءِ الحيــاةْ
بمناسبة استضافة البرازيل والتشيلي،وغيرها من الدول الشقيقة،المئات من اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا عالقين على حدود العراق مع أشباه الدول،أرسل البرقية التالية إلى أصحاب الجلالة والفخامة والسمو المخنثين من حكام العرب:
تفو ووووووووو

Tuesday, April 1, 2008

صفيحة الزبالة
(قصة قصيرة)


شاب في منتصف عشرينياته،معتدل القامة،رقيق العود- ربما لنقص في التغذية –قليل الكلام،خفيض الصوت لو تحدث،على ملامح وجهه تبدو علامات هم وغم لا يبدو عليه أنه قد اعتادهما رغم طول تربعهما في عمق قلبه.وعى (سعدو) على هذه الدنيا ووالده يعمل كناساً في هذه الحارة،وبعد أن منحه المختار حق السكن تحت دَرَجِ مدخل بيته،بادر إلى الزواج من ابنة عمه التي أنجبت له صبياً واحداً فقط.عندما بلغ (سعدو)سنته الثامنة توفيت والدته بعد أن أصيبت بمرض كان من أعراضه السعال الشديد،متبوعاً بخروج الدم من فمها،،أخذوها إلى مستشفى(ابن النفيس) حيث توفيت بعد أسبوع من دخولها المستشفى،،يذكرها الآن صورة باهتة تعبر خياله،،من طفولته لا يذكرالشيء الكثير سوى أنه حرم من الذهاب إلى المدرسة مع باقي أبناء الحارة،فقد كان عليه مساعدة الأسرة بالعمل في بيع بعض الحلوى التي كانت تصنعها والدته في المنزل،كالتفاح المغروس بأعواد والمغموس بسائل السكر،أوالمهلبية المغطاة بذرات جوز الهند،أو ببيع المثلجات صيفاً،ومنذ سن الثامنة إلى السادسة عشرة كان عليه العمل في تنظيف الحارة،مساعدةً لوالده الذي أنهكه المرض إلى أن قضى عليه ولما يكمل (سعدو) السادسة عشرة. بعد وفاة والده سعى له المختار لدى مكتب البلدية لكي يستمر في مكان والده،ورغم عدم بلوغه السن القانونية لقبوله كموظف، فإن وساطة المختار قد نجحت،فوافق المسؤولون على استمراره في العمل الذي كان يقوم به والده،وبالغ المختار في كرمه،فسمح له بالبقاء في نفس البيت:تحت الدرج.

بعد يوم عمل مضن كالمعتاد،ها هو (سعدو) يستلقي بجسده المنهك على بقايا فراش قديم ، ينظر إلى السقف محاولاً النوم بنفس الطريقة التي درج عليها منذ زمن بعيد:سقف غرفته هو درج بيت المختار المكون من أربع وعشرين درجة ،وعلى بقايا أشعة ضوء الشارع المتسربة من شقوق في باب غرفته المتهاوي ،يعد الدرجات الاثنتى عشرة الأولى،ثم يدير رأسه ليستكمل عد الدرجات الباقية،،يعدها صعوداً من الأولى إلى الرابعة والعشرين،ثم نزولاً من الرابعة والعشرين إلى الأولى. يعد الدرجات مرات ومرات إلى أن يدخل في سبات عميق .هذا هو نظام حياته اليومي:يستيقظ في الخامسة صباحاً، يجمع القمامة من الصفائح المعدنية التي كان سكان الحارة قد وضعوها على أبواب بيوتهم عشية الأمس،،يضعها في برميلين معدنيين صدئين،مثبتين على عربة ذات عجلتين،يدفعها أمامه نزولاً ليضعها في حاوية كبيرة موضوعة على بوابة الحارة،إلى أن تأتي شاحنة البلدية فتفرغها وتنقل القمامة إلى خارج المدينة،،يدفع باب غرفته إلى الخارج ليتأكد من وجود العربة،فيراها في مكانها مربوطة إلى عمود الكهرباء بالجنزير والقفل اللذين ضحى ببعض النقود لشرائهما،وذلك بعد أن سرقها بعض الصبية ذات يوم وركبوا فيها مسرعين نزولاً،إلى أن ارتطمت بحجر كبير،مما أدى إلى اعوجاج في العجلة اليمنى،فبدأت تعرج عند دفعها،،فكر أن يأخذها إلى البلدية لاستبدالها،لكنه خاف أن يطلبوا منه غرامة مقابل إصلاح العجلة،فاحتمل عرج العربة على أن يدفع الغرامة.بعد جمع الزبالة باكراً،كان يحمل على كتفه قربة من الجلد،يملؤها من صنبور ماء البلدية،ثم يبدأ برش الماء يمنة ويسرة،فتعانق قطرات الماء النشيطة ذرات التراب الناعسة،مانعة إياها من الانفلات في الهواء،وبعد أن ينتهي من الرش،يبدأ بكنس الزقاق بادئاً من أعلى نقطة فيه،نزولاً إلى آخر مكان تتوقف عنده مسؤوليته لكي تبدأ مسؤولية كناس آخر.منذ شهرين أهدى رئيس البلدية سكان الحي صفائح زبالة كبيرة،ربما تقرباً منهم لإعادة انتخابه،فتقلص عدد مرات جمع القمامة،إذ أن الصفيحة الجديدة أصبحت تكفي لاستيعاب نفايات ثلاثة أيام،ولم تعد هناك حاجة لكي يجمع نفايات جميع السكان كل يوم،فشعر (سعدو) بقليل من الراحة مكنته من ارتياد مقهى الحي مساء،حيث يجود عليه بعض روادها بفنجان من القهوة أو كأس من الشاي .كان هذا هو نظام عمله اليومي،يبدأ قبل انصداع عمود الفجر،وينتهي بعد انتحار الشمس خلف الجبل.

رغم أنه عد الدرجات صعوداً ونزولاً مرات ومرات هذه الليلة،غير أنه لم يدخل في سبات عميق كما اعتاد كل يوم،،انتبه إلى صوت وقع أقدام على الدرج،ففهم من الهمهمات التي طرقت سمعه أن شقيق زوجة المختار قد جاء لاصطحابها إلى بيت أهلها لتنام عندهم ،حيث أن وجهاء الحارة مدعوون للعشاء هذه الليلة على مائدة مختار الحي،،انتبه إلى أن سبب أرقه هذه الليلة يعود إلى إحساس بالجوع يفري معدته،تذكر أنه لم يتناول شيئاً منذ الصباح باستثناء كأس من الشاي وقطعة من الخبز،وليس له الآن سوى أن يدعو الله أن يتذكره المختار،فيرسل له مع ابنه طبقاً من الطعام،،لا يهم نوع الطعام،المهم أن يشبع معدته لكي يستطيع النوم حتى ينهض في الصباح الباكر لاستئناف رحلة الشقاء.ويمر الوقت لزجاً والجوع تزداد وطأته،والمدعوون قد تناولوا العشاء والحلويات- كما خمن- وها هم يغادرون بيت المختار،وطبق الطعام لم يأت بعد،،انتظر وانتظر وبلا جدوى،،البرد والجوع عدوّا الراغب في النوم،فكيف السبيل إلى السبات وهو على هذه الحالة،،فكر أن يخرج لكي يشتري شيئاً يأكله،فانتبه إلى أن الليل يكاد أن ينتصف، وأن المحلات التجارية قد أقفلت،،فجأة يفتح باب بيت المختار،،صوت ابنه يهبط الدرج،،تفاءل خيراً،فها هو الطعام على وشك الوصول،سيأكل أي شيء يأتيه،وبعدها سوف ينام نوماً عميقاً حتى بدون عد الدرجات،،هذا المختار طيب القلب،ولم يشك(سعدو) لحظة في تلقيه طبق طعام ومعه بعض الحلويات،،فتش عن قارورة الماء،فوجدها موضوعة قرب الجدار،فاطمأنت نفسه ،فربما لن يحضر له ابن المختار بعض الماء،وهو لا يستطيع تناول الحلويات بدون إتباعها بشربة ماء تروي عروقه،وتطفيء الظمأ المتزامن مع تناول أي شيء حلو،،لكن ما بال هذا الولد لم يطرق بابه ،،وقع خطوات الغلام لا يتوقف عند أسفل الدرج،من شق في الباب يرى الصبي يحمل صفيحة الزبالة ويتابع سيره إلى المكان الذي اعتاد أن يضعها فيه،ثم يعود مسرعاً،متسلقاً الدرج بهمة وخفة.أمر غريب !! دور صفيحة المختار بعد غد،فقد أفرغها صباح اليوم في العربة،ولكن لا بأس،فربما كانت نفايات وليمة اليوم قد أدت إلى امتلائها،ويحتمل أن الغلام قد صعد لإحضار صحن الطعام،فمن المستحيل أن ينساه المختار،لكن الصبي يقفل الباب وراءه،ويحكم إغلاق المزلاج.إذن فعلها المختار ونسيه هذه الليلة،،،رائحة الطعام المتسللة من الصفيحة تخترق الشارع،وتصل إلى خياشيمه،وتتسرب إلى دماغه،فتتوتر أعصاب معدته ويتضاعف جوعه،،فتح بابه،،نظر يمنة ويسرة فلم ير أحداً،،لم يعد يقاوم رائحة الطعام،فانسل باتجاه صفيحة الزبالة،، سحبها بخفة وأدخلها غرفته وأقفل الباب،،أسرع في نبش الصفيحة،،تناثرت أكياس البلاستيك المليئة ببقايا الطعام،،التهم بعضه بيد بينما استمرت يده الأخرى في الغوص داخل الصفيحة عله يعثر على بعض الفاكهة في قاعها، لكن آخر كيس أمسكه– والذي كان في قاع الصفيحة– كان ثقيلاً بشكل لفت انتباهه،وقبل أن يتابع التهام بقية بقايا الطعام،فتح الكيس الثقيل،فإذا به أمام ثروة لم يحلم برؤيتها من قبل،،رمى في جوفه بضع لقيمات،وطار النوم من جفونه،،فكر في التسلل من غرفته ومغادرة الحارة،لكنه خشي أن يضبطه الحارس في هذه الساعة المتأخرة،فينكشف أمره،،تكاثفت أحلامه إلى درجة شلت ذهنه وعطلت تفكيره،،حضن الكيس في صدره وحاول النوم دون جدوى،،كيف انقلبت حاله خلال ثوانٍ معدودة؟.لم يكن يرى في حياته الماضية شيئاً يستحق الذكر،أما مستقبله فكان مجهولاً لا يرى فيه إلا ما يراه عابر صحراء في ليل بهيم،لا يرى شيئاً ولا حتى السراب،أما الآن فها هو المستقبل يبدو واعداً،ضاجاً بألوان من السعادة لا وصف لها،،استمرت أحلامه في الرقص داخل مخيلته إلى أن صرعه النوم قبل شقشقة الفجر بدقائق.

لم يصحُ إلا وضربات قوية تطرق بابه،وصوت المختار يستفسر عن سبب تأخره في النوم على غير عادته،،دس الكيس تحت الفراش،ورد بصوت خفيض متظاهراً بالمرض،،المختار يتابع خطواته باتجاه مكتبه المقابل لمدخل بيته،يفتحه ويجلس خلف طاولته لاستكمال بعض المهام،فكيف سيستطيع(سعدو) الخروج من الحارة تحت نظر المختار ومعه الكيس؟، اطمأن إلى أنه أخفى الكيس في غرفته تحت كومة ملابسه،،خرج متجهاً إلى عربته،،فتح القفل ثم دفع العربة أمامه مسرعاً لجمع القمامة من الصفائح المعدنية،وعيناه معلقتان على باب غرفته،،قرر أن يستمر في عمله كالمعتاد،متحاشياً إبداء ما يمكن أن يوحي بنيته ترك الحارة،،من عادة المختار أن يغلق مكتبه ويصعد إلى منزله لتناول طعام الغداء وأخذ قيلولته اليومية،،يبقى (سعدو)على مقربة من مكتب المختار،متظاهراً بكنس المنطقة بعناية فائقة،،زوجة المختار تأتي من بيت أهلها بصحبة أخيها وترتقي الدرج،،عينا (سعدو) تراقبان بدقة،،المختار يقفل دُرْجَ مكتبه،،يخطو على مهل باتجاه الباب، يقفل محله،يلقي التحية على (سعدو)،، ويصعد إلى بيته بتثاقل.

بينما كان(سعدو) يخفي الكيس الثقيل تحت ثيابه ويغادر الحارة على عجل،كان صوت المختار يلعلع من فوق،مطلقاً في وجه زوجته صرخة جمعت كل أهل الحارة:(ألم تجدي يا غبية سوى صفيحة الزبالة لكي تخبئي فيها حليك الذهبية؟).




كذبة إبريل
(بمناسبة أول يوم فيه)

تأتي مناسبتها مرة واحدة في السنة،في أول يوم من هذا الشهر،ولأنها تقليد غربي طرأ علينا في فترة التأثر الحضاري بكل ما هو غربي،ولأن الغربيين اعتادوا الصدق في حياتهم العامة (لأسباب لا مجال لذكرها هنا وبعضها اقتصادي) فقد أفردوا للكذب يوماً واحداً في السنة، يكذبون فيه كذبة واحدة فقط ،أما نحن،فبما أننا لا نجد كلمة(صِدقة - قياساً على كِذبة ) مشتقة من كلمة الصدق-لأن الأساس في القول هو الصدق- وبما أن الكذب،وللأسف،قد أصبح سمة مميزة لأقوال وحتى أفعال بعضنا،والعملة الرائجة في التعامل بين الناس،فمن المناسب في هذه الحالة-وقياساً على"كذبة إبريل"-أن نخصص يوماً واحداً في السنة يكون عيداً للصدق،كأن نسميه مثلاً(صِدقَة مايو)،أو أي شهر آخر نختاره للصدق فيه مع أنفسنا ومع الآخرين ولو لمرة واحدة،كأن يكون شهر رمضان المبارك،(ماذا لو أسمينا هذه المناسبة "صِدقة رمضان" تيمناً بالشهر الكريم).المشكلة الهامة التي ربما تعترض البعض"الكثير"منا،والتي لا يصادفون مثلها عادة في مناسبة كذبة إبريل-لأن الكذب متوفر وبغزارة-،هي أنهم لن يستطيعوا العثور أي صدق يقولونه في هذه المناسبة العطرة،سوى أسمائهم ،بل وحتى هذه،،يمكن أن تكون مستعارة ! .
(يقول الله تعالى في الآية الثانية من سورة الصف معاتباً المؤمنين:"ياأيها الذين آمنوا لِم تقولون ما لا تفعلون كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"صدق الله العظيم)

Thursday, March 27, 2008

لقاء
(قصيدة قصيرة)
أخشى عليَّ إذا لقيتك
أن أموت من الفرح
وأخاف أن تبلى عيوني
حين ألقاك بدمع منسفح
حلم اللقاء حبيبتي
قوس قزح

Tuesday, March 25, 2008

سائق القطار
(قصة قصيرة)
قاطرة قديمة عمرها أكثر من مئة عام ، تسير بتثاقل على سكة حديد أقدم منها،تجر خلفها مجموعة عربات للركاب،متبوعة بمجموعة أخرى من عربات الشحن.ثلاثون عاماً أو يزيد قضاها (طلبة) سائقاً لهذا القطار الذي يربط العاصمة بجنوب البلاد، تلك السنوات الطويلة مرت على العائلة بدون منغصات تذكر،باستثناء ما وقع لها من أحداث عكرت صفو حياتها على مدى العامين الماضيين.يضعف ضغط البخار على المكابس،وتتضاءل سرعة القطار،فينحني (طلبة) لتناول المجرفة،ويبدأ بقذف كتل الفحم الحجري في جوف الموقد،،يحدق في ألسنة النيران المتماوجة،فتلفح وجهه حرارتها الشديدة،لكنه يحس بنيران قلبه أكثر اتقاداًً وأشد لفحاً من نيران الموقد،،،يزداد ضغط المكابس بالتدريج،فتزداد معها سرعة القاطرة،وتزداد معهما نبضات قلبه ، فيمسك بتوتر حبل الصافرة ويشده بعنف إلى الأسفل،فتزمجر محدثة ضجيجاً لا يغطي،رغم شدته ،على الضجيج الذي يلعلع داخل رأسه.يمسك دافع الحركة بيد،بينما يمسك بالأخرى دافع الفرملة ،مطرقاً رأسه،ناظراً بين قدميه،،ينتبه إلى أن الشاي في الإبريق المعدني القديم يغلي على مدخل الموقد،،يتناوله ويصب الشاي في كأس نصف نظيفة ، فينسكب بعضه على حواف الكأس بسبب اهتزاز القاطرة لدى عبورها منعطفاً حاداً،لكن الاهتزاز يتوقف عندما تستقيم في سيرها،بينما يستمر هو سارحاً في هواجسه.ينظر في زاوية المكان،فيرى مساعده (محمدين) وقد تهاوى على كرسي صغير،داخلاً في سبات عميق بعد يوم كامل من عمل مضن.

لماذا لم يغادر قريته إلى العاصمة كما فعل بعض أبنائها؟،أولئك الذين اندمجوا في مجتمع المدينة العملاقة،وذابوا بين ملايينها،ونسوا تقاليد الريف بما فيها من محاسن وويلات،،بعضهم عمل في التجارة،بينما استوظف البعض في دوائر الحكومة،بل إن البعض منهم قد بالغ في الابتعاد عن تقاليد العائلة المحافظة ، فعمل حتى في مجالات فنية مختلفة كالتمثيل والموسيقى والرقص،أما كان الأولى به أن يفعل مثل ما فعلوا؟،إذن ما كان ما وقع قد وقع،،،يرشف الشاي ويغالب نفسه كي لا يحسد أولئك الذين انفلتوا من قبضة العادات والتقاليد البالية،خاصة عادة الأخذ بالثأر التي تفسد علاقات العائلة الواحدة،وتفتتها إلى عدد من العائلات المتناحرة المتنافرة،لكنه يثوب إلى وعيه،فيستنكر ما فعله أولئك الخارجون عن روح العائلة،ويقنع بما هو فيه رغم قسوته ومرارته،،،ينظر أمامه عبر زجاج القاطرة مراقباً خطي سكة الحديد اللذين تبتلعهما قاطرته بنهم شديد،يتمايلان قبل الدخول في فمها تحت ضوئها الجديد الساطع،،،زجاج الضوء القديم صدمه الشهر الماضي طائر كبير أدى إلى تحطمه،فقامت ورشة المصلحة باستبداله،وها هو الضوء الجديد يكشف السكة أمام (طلبة) إلى مسافة تمكنه من تفادي قطعان المواشي التي قد تعبر خطي السكة ليلاً،ما جعله يشعر بالأمان الآن أكثر من ذي قبل،هذا بينما تراقصت قامات أشجار اصطفت على جانبي السكة،كأنها رؤوس أشباح تتمايل محتفلة بعرس واحد منها،وخلف صفوف الأشجار ترامت حقول قصب السكر والقطن والأرز والخضروات،والتي خمَّن أنها تمتد حتى خط الأفق الذي لا يستطيع رؤيته بوضوح بسبب الظلام الدامس الذي يلف المكان.

كان ذلك منذ ما يزيد على العامين عندما تقدم أحد أفراد عائلته لخطبة ابنته.(حسنين) كان أحد أبناء عمومة (طلبة) وينتمي لفرع صغير من العائلة الكبيرة،والذي انسلخ عنها بسبب قضية ثأر قديم،وفشلت جميع الوساطات لعودة ذلك الفرع إلى أصله،وبالتالي لم يعد ممكناً الموافقة على (حسنين) عندما تقدم لطلب يد (فاطمة) من أبيها بعد قصة حب نمت ترعرعت منذ أيام الطفولة ،،بتوالي توسلات (حسنين) ازداد رفض (طلبة)،إلى أن أقسم ذات يوم على قتله إن هو استمر في إزعاجه، فاختفى (حسنين) من المنطقة،ثم سرت أخبار عن تطوعه في القوات المسلحة.يقذف (طلبة) كميات من الفحم في جوف موقد القاطرة يستحثها على زيادة السرعة،فما زالت أمامه ثلاث ساعات للوصول إلى المحطة النهائية،وتزداد سرعة القاطرة أكثر فأكثر،ويسكب كأساً ثانية وثالثة من الشاي،ويسرح ببصره في اللاشيء،في الظلام الدامس.هل أخطأ أم أصاب في تعامله مع (حسنين)؟،وهل لو أحسن التصرف معه لكان قد منع وقوع المصيبة التي حلت به وبعائلته؟ كيف انفلت عقال الأمور من يديه،فسارت على هواها بالطريقة الكارثية التي أصابت كرامته في مقتل؟ذات صباح استيقظ أهل الدار على صوت زوجته تولول معلنة هروب (فاطمة) من البيت،، سألوا عنها الأقارب،،بحثوا عنها في كل مكان،دون جدوى،وشاع النبأ في البلدة،فاتجهت الأصابع متهمة (حسنين) باختطافها،خاصة وأن اختفاءها قد تزامن مع سفر ابن عمها،وظن الجميع أنه قد اصطحبها معه-سواء برغبتها أو رغماً عنها لكي يواريا فضيحة ربما تورطا فيها- للسكن في إحدى مدن القنال،بالقرب من خط الجبهة التي كانت ترابط فيها كتيبته.صبايا البلدة وشبانها ربما صفقوا لهما في السر،بينما صبت العجائز اللعنات على رأسيهما،أما (طلبة) فقد أقسم على قتل الاثنين لو استطاع،أقسم على ذلك بشرفه أمام الجميع،وازداد الشرخ في العائلة إلى أن أصبح انفصالاً لا رجعة عنه.

تستمر القاطرة في التهام القضبان الحديدية،،بينما يدفع البخار بعنف مكابس القاطرة التي تخترق الحقول بهمة ونشاط،فيزداد تمايل رؤوس الأشجار على جانبي الخط بفعل تيار الهواء الذي يسحبه القطار خلفه،ومدخنة الموقد تنفث في الجو سحابة سوداء تغطي القطار من مقدمته إلى آخر عربة فيه،وكأس الشاي تفرغ وتمتلئ مرات ومرات ،وعينا (طلبة) تتناوبان بين خط السكة والظلام على جانبيه. ذات يوم سرت في البلدة أخبار عن استشهاد (حسنين)،،يومها هز(طلبة) رأسه مستنكراً:كيف يصبح الخائن شهيداً،وكيف يجمع رجل في شخصه صفتين متناقضتين:الإخلاص والخيانة.لم تسلم قيادة الجيش جثة (حسنين) إلى عائلته،ربما لأنهم لم يجدوا جثته أو بقايا منها بسبب سقوط قذيفة مباشرة على موقعه،فتلاشت أعضاؤه أو تبخرت بفعل حرارة الانفجار،،عائلته لم تفتح له مجلس عزاء،استنكاراً منها لفعلته التي نكست رأس العائلة بين أهل البلدة،وقبل أن يبدأ التساؤل عن مصير فاطمة بعد وفاة خاطفها،كان أحد الغجر يقرع باب عائلة فاطمة ليخبرها بأن ابنتها قد لحقت بإحدى مجموعات الغجر الذين يجوبون القرى ، متكسبين من بيع منتجات مواشيهم،أو من قراءة البخت والرقص في الساحات العامة،أو من تركيب الأسنان الذهبية في أفواه الفلاحين.هنا عادت الفضيحة تضرب العائلة من جديد بعد أن توارى شبحها حيناً من الزمن.وتضاعف حجم الكارثة بعد أيام عندما عاد ذلك الغجري المشؤوم ليخبر العائلة بأن ابنتها حامل على وشك الوضع.إذن فعلها الخائن ومضى،فبعد أن اعتدى على شرف فاطمة وحملت منه ، فر بجلده من العقاب ، وتركها وحدها فريسة التشرد والضياع ، ثم لقي حتفه على الجبهة. يشد (طلبة) حبل الصافرة ليحذر بعض الفلاحين من عبور خط السكة مع مواشيهم ، فتمر بهم القاطرة مسرعة ، تماماً كما تمر في خياله تلك الأحداث بسرعة وكأنها تحاول أن تهرب منه وإلى الأبد.

يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم،،يمسح وجهه بقليل من الماء البارد،ويحاول أن يركز أكثر على قيادة القاطرة،فيفشل،ويبقى ذهنه أسير عذاباته.بعد ربع ساعة سيعبر القطار تخوم بلدته، حيث يقع منزله على بعد عشرات الأمتار من الخط الحديدي. يستعيد ذكرياته التي كانت حلوة كالعسل فأصبحت أمرّ من العلقم،فمنذ أيام طفولتها الأولى،كانت فاطمة تنتظر مرور القطار بلهفة وشوق،وبمجرد أن تراه من بعيد،كانت ترفع بيدها الصغيرة منديلاً أحمر- إن كان الوقت نهاراً– ،أو مصباحاً زيتياً – إن كان الوقت ليلاً–،تلوّح بها لكي يراها أبوها،سائق القطار. كانت تلك اللحظات التي يرى فيها فاطمة عن بعد هي أسعد لحظات الرحلة،ولكثرة تكرارها،فقد حفظت فاطمة مواعيد مرور القطار عن ظهر قلب.بعد ربع ساعة عندما سيمر القطار أمام بيته،سوف يدير وجهه إلى الناحية الأخرى،،يحس بدموعه حارة تسقط على خديه،فيمسحها بكم قميصه المتسخ ،، بعد ربع ساعة ستعود الساعة به إلى الوراء سنوات وسنوات ،، ربما سيلمح خيال طفلة تلوح له من بعيد بضوء سراج باهت،،لن يصدق أنها فاطمة،لأن فاطمة الآن مشردة بين القرى والنجوع،تحمل في أحشائها دليل خيانتها،ورمز خسة ابن عمها.

فجأة ينتبه إلى أن هناك كتلة سوداء مكومة على الخط الحديدي،فها هو مصباح القاطرة الجديد يقوم بدوره خير قيام،ويكشف له الخطر في الوقت المناسب قبل وقوعه،،،سحب مقبض الفرملة بشدة،فتوقفت العجلات عن الدوران،وانزلقت القاطرة على القضبان،ثم وبسرعة فائقة جذب مقبض عكس حركة المكابس،فبدأت العجلات بالدوران إلى الخلف،وتطاير الشرر بشدة على جانبي القطار الذي ما زال مندفعاً بسرعة كبيرة- وكأنه سهم من لهب- نحو الجسم المكوم على الخط الحديدي. نتيجة لهذا التوقف المفاجئ،انقلب الكرسي الذي كان يجلس عليه (محمدين) فصحا من سباته العميق،وارتطمت رؤوس جميع الركاب بظهور المقاعد التي أمامهم،وسقطت بعض حقائبهم،التي كانت على الأرفف ، فوق رؤوس بعضهم،،زحفت القاطرة فوق السكة وزحفت، بينما عينا سائقها معلقتين بين مقدمتها والجسم الغريب،إلى أن استقرت على بعد أمتار منه. تنفس (طلبة) الصعداء بعد أن كاد نفسه أن يتوقف،،ترجل من القاطرة على عجل وتوجه نحو الجسم الغريب لاستجلاء كنهه،بينما استمر الركاب في هرج ومرج من هول الصدمة.هذا الشيء الأسود:هل هو كيس حنطة سقط عن ظهر دابة أثناء عبورها الخط الحديدي دون أن يشعر صاحبه به فتركه عن غير قصد في مكانه؟أم هو عثرة وضعها قطاع طرق على السكة لتعطيل سير القطار،ثم مهاجمته والسطو على ركابه؟نظر حوله فأحس بالهدوء يلف المكان لولا هدير غليان الماء في مرجل القاطرة،،اقترب أكثر فأكثر إلى أن أصبح على بعد خطوات من الجسم الغريب،،هنا تسمر في مكانه،وشعر بأن ركبتيه تخونانه،فركع على ركبة وأسند رأسه على يده المرتكزة على الركبة الثانية،،نظر إليها،كانت فاطمة أمامه بشحمها ولحمها تنظر إليه من خلف عباءة سوداء صارخة باكية:(لماذا توقفت يا أبي؟لماذا توقفت؟لقد جئت بنفسي إلى هنا لكي أجعلك تفي بقسمك وتقتلني ،،هيا يا أبي،عد إلى القاطرة ودعها تمر على جسدي كي تطهر شرفك الذي أقسم لك أنه لم تكن لي يد في تلويثه)،،لم يصدق ما تراه عيناه،،حملق فيها متأكداً:نعم هي اللعينة فاطمة،التي مرغت شرف العائلة،وقلبت حياتها جحيماً وذلاً،تابعت فاطمة:( أرجوك يا أبي،اصعد إلى القاطرة قبل أن يتجمع الركاب حولنا،واجعل الأمر يبدو وكأنه حادث قضاء وقدر)،،أصغى إليها باهتمام،فهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن ينال بها منها دون أن يطاله أي عقاب،،بعض الركاب بدأوا بالنزول من القاطرة،متوجهين إليه لاستجلاء الأمر،،نهض على قدميه واستدار لكي يعود إلى قيادة القاطرة،،لوح للركاب آمراً إياهم بالعودة إلى القطار فاستجابوا له،لكنه لم يكد يضع رجله على الدرجة الأولى لسلم القاطرة حتى سمع صراخ مولود قادم من جهة فاطمة،،تسمر في مكانه والتفت إليها،فإذا بها تحاول جاهدة تكميم فم المولود الذي خبأته في عباءتها حتى لا يعلو صراخه ،، نفرت الدموع من عيني (طلبة) بغزارة ،، هجم على ابنته وانتزع من بين يديها حفيده،،،ركع على الأرض مجهشاً بالبكاء،،قالت فاطمة بلسان متلعثم:ابن عمي الشهيد(حسنين) مظلوم يا أبي ،،المجرم الحقيقي هو ابن العمدة.

بينما تحرك القطار بقيادة المساعد(محمدين)،كان الركاب المتجمعون على نوافذ عرباته يرقبون (طلبة) ميمماً شطر الحقول،حاضناً حفيده بحنان غامر،وفاطمة تحث الخطى خلفهما،، وفي لحظات اختفى الثلاثة في جوف الظلام الدامس بين أعواد قصب السكر.